elevage lyamani
cheval de missour - الفروسية والفانطازيا
 

Page d'accueil
الخيل العربي
=> الخـيل في الـقـرآن الكـريم
=> الفروسية والفانطازيا
=> المعرض الأول للخيول بالمغرب
missour
tout sur cheval
élevage lyamani
Forum
Galerie
sondages
album photos
telecharger
journaux
musique
cinema
Ttv en line
radio
Adresses utiles
cuisne
Horoscope
meteo
chat
jeux
Contact
Livre d'or

 

 

GMT 8:45:00 2004 الأربعاء 1 ديسمبر

 

 

مصطفى الصوفي

 


مصطفى الصوفي من الرباط: ظلت الفروسية في المغرب من الفنون التراثية الجميلة ذات الدلالات العميقة، لما لهذا الفن الأصيل من أبعاد اجتماعية سياسية وثقافية حاول العديد من الفنانين توظيفها سواء في أعمالهم التشكيلية، بل وظفها الكثير من المخرجين في مسلسلات وأفلام سينمائية.
ويحضرنا في هذا الباب معرض من ضمن الكثير من المعارض أقيم في المتحف الأثري بالرباط واختير له عنوان" خيل وفرسان" معرض فتح للنقاد والمهتمين شهية استنطاق التاريخ والموروث الفني والإبداعي المغربي، الذي تجلى في الكثير من الأشكال التعبيرية، التي تحتفي في العمق بالفرس المغربي في علاقته بالإنسان، والأرض، والحياة اليومية عبر التاريخ.
وللإحاطة بثراء الميراث الفروسي وتنوعه وعمقه الزمني اقترح المعرض مسارا ينتظم حول أربعة مواضيع، هي الفرس في المغرب القديم، الفروسية، الفرس رمز للنفوذ والوجاهة، والفرس والإلهي...تلك المعروضات الناذرة والثمينة، يمكن للمتلقي أن يتعرف على تاريخ مجيد للحصان المغربي والعربي، في الكثير من الأمكنة والأزمنة، والتواريخ التي يحفضها الماضي جيدا، معروضات تفيض جماليتها ورونقها الأخاذ، ومنها تشتم روائح الأمس القريب/البعيد حيث الحصان صديق للإنسان في حله وارتحاله، في اللحظات الحزينة وأيام الفرح، في الحرب والسلم، وصديق وفيا في الحياة.

فرجة طبيعة واحتفال

من هنا ومن خلال هذا الموضوع سوف نحاول قدر الامكان قراءة تفاصيل تلك المعروضات موضوع الخيل والفرسان في كثير من البحوث، والكتابات، ن اجل أن نكشف للقارئ على أهمية الموضوع من الناحية الفنية والتراثية، والإبداعية، والاحتفالية أيضا، خاصة وأن المغرب كبلد من بلدان شمال إفريقيا القريب جدا من أوربا، كرم الفرس أحسن تكريم واهتم أيما اهتمام، ولتتفتق من خلال العلاقة الحميمية بين الحيوان والإنسان الكثير من الأشكال الاحتفالية، وأبرزها ما يسمى في المغرب ب" الفروسية" أو الفانطازيا" أو "التبوريدة" كنوع من الاحتفال الجماعي في أعياد ومناسبات، دينية ووطنية، احتفال له الكثير من الدلالات والرموز التاريخية القديمة جدا، تحدث عنها العديد من المؤرخين والباحثين في مجال التاريخث القديم والتراث الفني المغربي.
هكذا نستحضر أطياف الفروسية المغربية أو "الفانطازيا" أو ما يصطلح عليه عند عامة الناس، ب "التبويردة" هي فن مغربي أصيل، يعيد الذاكرة الشعبية إلى المتفرجين في أعياد ومناسبات عديدة، حب الحصان والفرجة والطبيعة والاحتفال.
إن ألوان الحصان المغربي في هذا الباب كثيرة، فهناك" الكمري "، ويقول العارفون بهذا الميدان، أن لون الثوب "أبيض" أي لون الجلد، و" الكمري " لا يستقر على لون واحد فمع تقدمه في السن، يتغير لونه إلى الأزرق "المغلوق "، ثم بعد ذلك تظهر عليه بقع بيضاء، ويقال لها " الريال " في إشارة إلى الريال القديم لبياضها وقيمتها وجماليتها. والخيل والجياد والأحصنة هي الأفراس، وأنثى الحصان تسمى "حجر"، وهن حجريات، وهناك "الأدهم" وهو ذو اللون الأسود، أما صاحب اللون البني فيطلقون عليه اسم " البركي "، والبني اللماع" هو " البركي المحروق ".
 وفي المأثورات عن الخيول التي تسكن بيوت الناس وأصحابها، يقولون بأن الحصان يذكر صاحبه بالخير، ويدعو ويقول " اللهم سخرتني لابن آدم، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله، اللهم ارزقه وارزقني على يديه" وقال الله سبحانه وتعالى " وجعلنا في نواصيها الخير".
ومن هنا يمكن القول بأن جميع المغاربة الذين يكسبون الخيول المدربة على الفانطازيا هم من خيرة قوم القبيلة، وتجد أصحابها ذو شأن عظيم، وأصحاب خير ونخوة وقيمة في البلاد.
وأشكال الخيول متنوعة، فهناك، الصغير الخفيف وهو من أصل عربي له رأس مستديرة، وذكره الرومان والإغريق في كتاباتهم وصوروه في منحوتاتهم وأعمالهم الفنية، وهناك النوع الثقيل، وهو من أصل أوربي استعمله الإنسان في الحروب، ومع تقدمها في السن تهدى قربانا للمجازر.
وارتبطت الفروسية والفانطازيا في الذاكرة الجماعية المغربية بعادة تقليدية أحبها الصغار والكبار، والكرنفال الاحتفالي كما أسلفنا، حيث الأغنية الشعبية حاضرة، والمواويل والزغاريد النسائية، كتعبير عن النصر، ودعما للأولاد والأزواج، والفرسان، ليحفظهم الله من العين ومن كل سوء..
وتعددت احتفالات القبائل المغربية بهذا الفن في مناسبات خاصة، ارتبطت بالأساس بالأعراس بالدرجة، وعيد المولد النبوي الشريف، وإن كانت المواسم السنوية كموسم الولي الصالح سيدي بوعبيد الشرقي لمدينة أبي الجعد (حوالي 200 كلم شرق الرباط) وموسم (شراكة ضواحي مدينة الرباط) وموسم سيدي الغليمي بمدينة سطات (160 كلم غرب الرباط)ومواسم أخرى بمدينة الجديدة، مراكش، المحمدية، مكناس …إلخ. هذا دون نسيا أسبوع الفرس السنوي الذي ينظم بالعاصمة الرباط، ويكون للقفز على الحواجز لكن حضور الفانطازيا مؤشر على تناغم العصور، وحضور الأصالة والمعاصرة في اللقاء الرياضي والفني.
وكان المهرجان السنوي للفلكلور والأغنية الشعبية بمدينة مراكش الدورة الأساسية في الاحتفاء بالفانطازيا، ضمن برنامج خصب يحتفي بالأساس بالأغنية التراثية والشعبية، حيث تلتقي الفرق من مختلف المدن للتعبير عن تقاليدها وعاداتها الفنية انطلاقا من تقديم عروض للفلكلور الشعبي تمتزج فيه الأغنية التراثية ببارود فرسان يشربون نخب زهوهم في خيام من الوبر.

الفرس في الزخارف و الحلي الجدارية

موضوع الخيل والفرسان كرنفال احتفالي بالحيوان الأليف والإنسان، اكتشاف لعالم آخر، من عوالم الخيل والفرسان العربية في التاريخ المغربي، وفي لحضارة شمال افريقية، حيث الفارس والفرس، والحصان وأطياف الصيد والحرب، وكل ما يتعلق بهذا الحيوان في علاقته بالإنسان أينما حل وارتحل.
الفرس في العصر القديم هكذا نذكر مع الباحث حسن ليمام أن الفرس عاش مع الإنسان منذ الأزمنة السحيقة. وفي العصر القديم، سجل لنا العديد من المؤلفين الإغريق و اللاتين كثيرا من الأوصاف التي نتبين منها الصفات التي كانت مطلوبة آنئذ في الفرس ليكون نجيبا و جميلا. ويذكر من هؤلاء المؤلفين كسينوفون وفرجيليو وكولوميل وبلين. ويستفاد من هذه الأوصاف أن القدماء كانوا يوثرون الفرس صغير الرأس مستقيمه، بحيث تكون عنقه أمام عيني الفارس مباشرة، عريض الجبهة صغير الأذنين، عريض الخاصرة، بحيث توفر للفارس راحة لا يجدها على ظهر ناتئ، ضامر البطن، عريض اللبان لحيمه.
ونجد أهم هذه الخاصيات، سيما دقة الرأس واستقامته وعرض الجبهة، في أروع الصور الفنية التي خلفها لنا العصر القديم عن الفرس. كان الفرس يستخدم قي القنص والحرب والأشغال اليومية، غير أنه كان يرصد عموما للقنص و الحرب، فيما استخدم الإنسان الثيران لجر المحراث، و البغال و الثيران و خصوصا الحمير للنقل و الأسفار. إلا أنه اعتمد أحيانا أيضا على الأفراس لجر عربات السفر. و تطلعنا المصادر التاريخية كذلك على ما خص به الإنسان الفرس من رعاية وحب. وتظهر العديد من النقوش البارزة و أشكال الفسيفساء والتماثيل الرخامية والبرونزية التي كانت تزين المعابد و المباني العامة و الخاصة في العالمين الإغريقي و الروماني المكانة الرفيعة التي تبوأها هذا الحيوان. حتى أنه قرن أحيانا بآلهة شهيرة مما أضفى عليه مزيدا من التقدير و الاحترام. و توجد في المغرب كثير من الشواهد الأثرية الدالة على العمق الزمني للفرس في بلادنا. فقد احتفت به بعض التماثيل البرونزية و بينت مقدار ما كنه له القدماء من محبة و إعجاب. واستعمل تارة كزينة داخلية للبيت، و طورا في الزخارف العليا للأسرة، وهو التقليد الذي بدأ حوالي القرنين الثالث و الثاني قبل الميلاد و استمر حتى القرن الثاني الميلادي. غير أن هذه المكانة التي حظي بها الفرس في مجال الزخارف و الحلي الجدارية آلت بعد ذلك إلى البغل الذي توجد بصدده شواهد أثرية وافرة. واستعمل الفرس أيضا كمجسم تزييني للجزء الأعلى من الأوعية المعلقة، كما نرى في نموذج تم العثور عليه في موقع وليلي. كما صور في الغالب مقرونا بشخصيات باخوسية كالإلهة آريانا والإله ديونيزوس، و أحيانا ببعض الآلهة المحلية كما هو الشأن في مذبح مكرس ل"أو ليسو".
وتشهد برونزيات العربات و الدواب المقرونة على وجود الفرس في مختلف المواقع المغربية القديمة. ويبلغ عدد هذه القطع630، منها 74خاصة بالعربات، و45 بأدوات النير، و512 بعناصر طقم الفرس. ويعزى العدد المرتفع لهذه الأخيرة في جانب كبير منه إلى ما تواجد في موريتانيا الطنجية خلال القرنين الأول و الثاني الميلاديين من وحدات من سلاح الفرسان و مفرزات من الخيالة و حاملي الأعلام و الجنود الرومان في مواقع وليلي، طوكولوسيدا، عين شقور، باناسا، طنجة، وسلا، تحديدا لاحصرا. ولم تقتصر الشواهد الأثرية للمواقع المغربية على البرونزيات المجسمة للفرس، بل نجد هذا الحيوان مصورا أيضا في بعض البلاطات الفسيفسائية مقرونا في الغالب بحيوانات أخرى، كما هو الشأن في فسيفساء أورفيوس أو فسيفساء لكسوس التي يبدو فيها إيوليو إله الريح. و صور الفرس أيضا في هيئة حيوان بحري نصفه فرس و نصفه الآخر سمكة يقوده تريتون إله الموج. كما يظهر على سناد من نوع آخر هو عبارة عن قالب فخاري تم العثور عليه في وليلي خلال السنوات الأخيرة (رقم الجرد:149ـ97). وبدأت تتراكم شواهد أخرى عن وجود الفرس في المحفوظات الأثرية لمختلف المواقع، وذلك بفضل الاهتمام الذي بات الباحثون يولونه لجمع عظام الحيوانات القديمة ودراستها.     المنحوتات الصخرية تكرم الفرس   واكتشفت في هذا المضمار منحوتات في الصخر تطرق إليها الباحث مصطفى النامي، حيث يؤكد انه في شمال أفريقيا والصحراء تتبين عدد من الأشكال الخيلية. فمن محفورات منطقة مساك الليبية إلى رسوم" تاسيلي ناجر" في الجنوب الجزائري، و من المحفورات الصخرية لجنوب وهران إلى مثليتها في الجنوب المغربي، نجد أشكال الفرس حاضرة في كل هذه الأمكنة، ولو بأعداد أقل بكثير من أشكال الحيوانات الأخرى المحفورة عادة (الظباء، البقريات، الخ..).. وينضاف إلى العدد المحدود جدا للأشكال الخيلية المشكل العويص الناجم عن صعوبة التمييز بين أنواعها، فغالبا ما يكون من العسير إدراك الفروق بين الأنواع الثلاثة المعروفة وهي الحمار وحمار الزرد والفرس بحصر المعنى. ذلك أن الحفار اكتفى في معظم الحالات بإنجاز الشكل الظلي دون إضافة الخصائص المميزة (الخطوط، طول الأذنين، العرف، الخ). وفي المغرب، أمدتنا العديد من مواقع المنحوتات الصخرية ببعض الأشكال الخاصة بما يكمن اعتباره فرسا. وهذه الأشكال أكثر حضورا في منطقة زاكورة" الجنوب المغربي " غير أنه ينبغي التفريق بين مجموعتين من هذه الأشكال، سواء من حيث تقنية إنجازها، أو الأداء العام للصورة، أو من حيث ترتيبها الزمني على وجه الاحتمال. تتميز المجموعة الأولى، التي تضم أشكال الفرس مقرونة بكيفية متفرقة بالحيوانات الموجودة عادة في المواضيع التازينية، بتصوير الفرس في وضع واقعي غالبا ما يظهره في إحدى حركاته، واعتماد تقنية الصقل وحتى القطع. وفي معظم الحالات، يصور الفرس في هذا الأسلوب النحتي منفردا، صغير القد لا يتعدى 40 سنتمترا، ضئيل الكم. ونذكر من مواقع هذه المجموعة: أنون أوميرزملال، ايت وزيق، تامسهالت، برج الحراسة بمنطقة تازارين.


الفرس بلغ شمال أفريقيا

وتشتهر المجموعة الثانية، اللاحقة زمنيا على الأولى، بموقعين هامين جدا هما "فم الشنة" و "جرف الخيل" بمنطقة زاكورة.و يضم هذان الموقعان، الملحقان من حيث الأسلوب والتسلسل الزمني بالمجموعة الليبية البربرية، مئات من الجياد يمتطيها فرسان مسلحون في الغالب بحراب، و رماح أو دروع مستديرة. وتنتظم هذه الأشكال عموما في مشاهد حربية أو مرتبطة بالقنص. وتم تنفيذ شكل الفرس هاهنا بتقنية التخطيط بالوتد بكيفية مبسطة جدا وبمظهر جانبي تام يكشف شكله الظلي، بما لا يدع مجالا للشك، نوع الحيوان. يوجد موقع فم الشنة على بعد ثمانية كيلومترات تقريبا من قرية تينزولين في الجانب الأيمن من الطريق الوطنية المؤدية إلى زاكورة" الجنوب المغربي". وأنجزت محفوراته على طبقات عمودية عموما من الضفة اليمنى للواد الذي يحمل نفس الاسم. وتتلاحق هذه الطبقات على مسافة تتعدى 800 متر، وتشمل مئات المحفورات المكونة في معظمها من فرسان، وجمال، وحيوانات متنوعة من ذوات الأربع، ورموز ونقوش بحروف ليبية بربرية. غير أن زنجار هذه المحفورات يمكننا من استجلاء ثلاث مجموعات متراكبة على الأقل: ـ زنجار قاتم مماثل للسناد تتلخص أشكاله في بعض البقريات المنجزة بكيفية مختصرة ولكن واقعية. ـ زنجار أقل قتامة تظهر فيه الجياد. ـ زنجار فاتح اللون نجد فيه كل المواضيع المميزة للحقبة الليبية البربرية، وبالأخص الجياد التي يمتطيها الفرسان. ويبعد موقع جرف الخيل ب 15كيلومترا عن الموقع الأول. وتغلب فيه أشكال الجياد الممتطاة، مع ظهور مواضيع أخرى كالحلي والمشابك والأساور وغيرها، وهو ما يسمح بأن نفترض بأن هذا الموقع حديث بالمقارنة مع فم الشنة. ونجد الفرس في كلا الموقعين مقرونا في الغالب بالجمل وأحيانا بنقوش ليبية بربرية. وهو ما يعني أن هذين الموقعين حديثان زمنيا بالمقارنة مع أشكال المجموعة الأولى من الطراز التازيني التي تبدو أكثر قدما. وتوجد بين هذين الطرفين مجموعة من المحفورات قرن فيها الفرس بالعربة، كما هو الشأن خصوصا في موقعي تاوز جنوب الرشيدية وورامداز بمنطقة أغرم" الجنوب المغربي". ومن هنا فقد ربط المؤرخون في الغالب بين إدخال الفرس إلى شمال إفريقيا وإدخال العربة... وهذا ما حذا بالعديد منهم إلى الاعتقاد بأن الفرس بلغ شمال أفريقيا مرورا بمصر قبيل منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد. غير أن وجود أشكال خيلية في المنحوتات الصخرية من طراز تازينا، سواء في الجنوب المغربي أو جنوب وهران، يسمح بافتراض وجود نوع من الفرس الأصيل سبق ظهوره في شمال أفريقيا إدخال الفرس الآسيوي، وإذا افترضنا أن طراز تازينا أقدم في التسلسل الزمني من المرحلة الخيلية ومرحلة العربات، يمكننا التأكيد على أن تدجين الفرس الأهلي تم قبل إدخال العربية بزمن طويل. ودليلنا على ذلك محفورة فرس صغير بمنطقة تازارين. أنجز فيها شكل هذا الحيوان وفق طراز تازينا، ويبدو بالعنان كعلامة دامغة على تدجينه.  الحصان مطية رفيعة   و إذا كانت النقوش الصخرية أكدت أن الفرس عاش في شمال إفريقيا إلى جانب الإنسان في علاقة حميمية مما جعل للفرس هالة روحانية ورمزية وجمالية جعلته يستقطب اهتمام الإنسان منذ العصور الموغلة في القدم. ويحيلنا الجواد العربي، بكل ما تحفل به هذه التسمية ـ كما تؤكد الباحثة حفصة الحسني ـ من صور الملاحم والأمجاد، على تاريخ طويل تبوأ فيه مكانة الحيوان الذي تهفو إليه الأحلام. كما أن الأدب العربي بشعره ونثره وأحاديثه النبوية وأمثاله أفرد للجواد حيزا هاما في مجموع التراث العربي ظل يحافظ عليه حتى الآن. ولم يفت الفنانين التشكيليين أن يرسموا حيوان "الأحلام" هذا، ولا الشعراء أن يتغنوا به، ولا المؤرخين أن يتخذوه موضوعا لاستقصاءاتهم، فيما فتن علماء الأنتروبولوجيا بالحب الذي خص به الإنسان الفرس منذ الأزمة الغابرة. وتشهد بعض النصوص السردية من القرن التاسع على المكانة الهامة التي احتلها الفرس في المجتمع العربي. حتى أن أبا عبيدة بن المثنى التيمي خصص ثمانية مؤلفات للحصان رصد فيها سلالاته ومواطنه الأصلية وصفاته... كما تحفل هذه النصوص بمقتطفات وافرة من الشعر العربي والأقوال المأثورة المتعلقة بهذا الحيوان الذي شغل حياة الإنسان وأحلامه. وعلاوة عن هذه المؤلفات، تجدر الإشارة إلى "كتاب الخيل" لابن الجزي الغرناطي، من القرن الرابع عشر الميلادي، المخصص بكامله للفرس بسلالاته وخصائصه وما ينبغي أن يتوفر فيه من سمات لكي يصنف جوادا عربيا كريما. هكذا ومن خلال المعروضات أنه كان مطلوبا في الفرس أن تكون خاصرته دقيقة كخاصرة الغزال، وخببه خفيفا كالذئب، وقوائمه عظيمة كساقي النعامة، وعدوه مضبوطا كعدو الثعلب، وفخذاه لحيمتين كفخدي الجمل، وعراقيبه لطيفة كعراقيب الأرنب، واندفاعه في السباق كاندفاع النسر. وورد ذكر هذه السمات السبع في أعمال العديد من الشعراء والمؤلفين العرب. غير أن منهم من أضافوا إليها أربعا أخرى لتصير للفرس النجيب إحدى عشرة سمة مصطفاة من مختلف الحيوانات. هكذا تحددت تدريجيا الصفات التي يتميز بها الجواد العربي، والتي ظلت هي نفسها تقريبا حتى وقتنا الحاضر. وتنتظم هذه الصفات في أربع فئات تتكون كل منها من ثلاثة معايير. ـ ثلاثة أعضاء طويلة: الأذنان والعنق والطرفان الأماميان ـ ثلاثة أعضاء قصيرة: الظهر والطرفان الخلفيان وعظم الذيل ـ ثلاثة أعضاء عريضة: الجبهة واللبان (الصدر) والكفل ـ ثلاثة أعضاء فاتحة اللون: العينان والحافر والإهاب كان الفرس ثمينا في حياة العرب إبان نشأة الإسلام، وعند ازدهار هذا الأخير وانتشاره الواسع، احتل هذا الحيوان طليعة كل قوة يعتد بها. كان الفرس عهدئذ رفيقا في السلم، وسلاحا في القتال، ووسيلة من وسائل العيش، ومدعاة لفخر الفارس. وكان العرب حريصون أشد ما يكون الحرص على نقاء سلالة الجواد العربي والحفاظ على خصائصه، وكانوا يرفعون المزايا الطبيعية للفرس بإضفاء بعد روحاني ومقدس على هذا الأخير. وقد قال النبي في حديث شهير: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". كان الفرس مشمولا بالتكريم والرعاية وعند إحراز النصر في إحدى المعارك، كان الفارس المسلم يكافأ بثلاث حصص من الغنيمة منها اثنتان خاصتان بفرسه. وقد توخى النبي بمضاعفة حصة الغنيمة للفرسان ذوي الجياد الكريمة تفضيل هذه السلالة من الخيل، وهو ما أدى إلى الحفاظ عليها. كان الفرس يعامل كفرد من العائلة، فكان يعلف ويروض ويعالج جيدا، وكان من عادة العرب تبادل التهاني في ثلاث مناسبات: عند ازدياد مولود، وعند ظهور شاعر في القبيلة، وعند إنتاج مهر جديد. كان يمكن السخاء بالثروة العائلية كلها ما عدا الفرس، حتى أن حاتم الطائي الشهير بكرمه عز عليه أن يضحي بفرسه كما قال الرواة.


أنواعه مختلفة

لم يكن غريبا إذن أن يتلقى الفرس المكرم على هذا النحو هدايا لإسراجه، فقد ذكر ابن خلدون أن بعض هدايا السلطان المريني أبو الحسن إلى الملك الناصر المملوكي تمثلت في عشرة أغطية مقصبة بخيوط الذهب لإسراج الخيل، ثمانية منها محلاة بقطع ذهبية، وثلاثين جوادا، وثلاث زرابي من الحرير. وإذا كان الحب الذي كنه الإنسان للفرس نابعا من نمط حياته في الصحراء ومن ميله إلى الفروسية، فإن ظهور الإسلام رسخ هذه العاطفة بشكل مضاعف. وقد أوضح علي بن داود الغساني أن تقدير الفرس كان صادرا عن اعتبارات دينية وعن طبع فطر عليه البدو. وامتد الحب والعناية اللذان خص العرب بهما مطاياهم إلى إطلاق أسماء خاصة على الجياد، مما يشهد على ما تمتعوا به من ثراء رمزي. من هذه الأسماء: النعامة، والسابحة، والسقب، التي نمت عن تقديرهم لسرعة أفراسهم كما سموها الورد والخير... كان كل اسم يحيل إلى مظهر الفرس، أو إحدى مزاياه، أو إلى العائلة أو القبيلة التي ربته. كان العرب يفضلون، في المقام الأول، الخيل المعروفة ب الشكر ذات اللون البني المشرب بالحمرة، وكذا تلك المسماة "الكميت" المبقعة بالأسود، كما كان الفرس الفاحم السواد، المسمى "الأدهم" رفيع المنزلة لديهم. وبحكم مزايا الفرس وقدراته المتعددة، خاض به العرب منذ زمن بعيد سباقات طويلة المسافة. وقد تحدث فيليب باربيي دو بريودو، بهذا الصدد، عن سباق الأميال السبعة الذي كان يخاض بمجموعة من الأحصنة منقسمة الى فرق قوام كل واحدة منها عشرة. وكانت السبعة الأوائل تسمى "السابق". وكان هذا السباق ترفيهيا في الفترة السابقة للإسلام، وعند ظهور هذا الأخير اعتبره أفضل وسيلة لانتقاء أجود الخيول الصالحة لتكثير النسل. وفضلا عن ذلك درج الناس في مجموعة بلدان شمال أفريقيا على اغتنام المناسبات والاحتفالات وحتى المواسم لتقديم عروض بالفرس، والتذكير بالمآثر الحربية المرتبطة بتقليد الفرسان المقاتلين. هكذا تطورت ألعاب الفروسية المعروفة بالفنتازيا. ويؤكد فيليب بلوكان أن هذه اللفظة ليست قديمة جدا، بل هي لاتينية الأصل ومعناها التسلية، وقد أطلقت على ألعاب البارود التي كانت تتخلل بعض الاحتفالات والمواسم. ويشير عز الدين السدراتي وكتاب آخرون إلى أن "ألعاب الفروسية انتظمت بهذه الكيفية، وكانت هناك ألعاب فروسية بالقوس والرمح، وانطلاقا من أواخر القرن السابع عشر صارت تؤدى بالبارودة. وتعود أول ألعاب للفروسية يتوفر لدينا عنها وصف تفصيلي إلى سنة 1818، وقد جرت في مدينة الصويرة. ونقرأ وصفا لها في كتاب "حلية الفرسان وشعار الشجعان" لعلي بن الهذيل الأندلسي الذي يقدم لنا مشهدا حيا لألعاب البارود شارك فيها ما بين 1300 و 1500 فرس. وتخللتها مختلف الحركات البهلوانية. كرمي البارودة في الهواء تم التقاطها، والتقاط حزام من الأرض من على ظهر الفرس الراكض، والقفز من فرس لآخر أثناء العدو، علما بأن هذه الحركة الأخيرة تعود إلى فترات الإسلام الأولى. وقد اشتهر بها علي بن أبي طالب. وغالبا ما يستخدم في ألعاب الفروسية فرس المغرب، أو الفرس العربي المغربي. ويعتبر جان ليون الإفريقي أن فرس المغرب من نوع محلي النسل. ويجيد فرس المغرب ألعاب الفروسية، وهو صالح للركوب والقرن لليونته واتزانه. فيما يعتبر الفرس العربي المغربي صبورا وخفيف الحركة حتى في الأراضي الوعرة. وكانت ألعاب الفروسية هذه مناسبة لإظهار أحسن السروج وأجمل العدد. ولا تختلف مواصفات هذه الأخيرة في كتاب علي بن الهذيل الأندلسي عنها في زمننا الحاضر. وتتكون عدة الفرس عموما من الرسن واللجام والسرج والركاب. ويمكن الرسن الفارس من قيادة فرسه. ويتكون من سيور تحيط برأس الفرس وخطام يثبت فيه المطول. ويتكون اللجام من شكيمة ومجموعة سيور تشد رأس المطية. وتوضع على جبهة هذه الأخيرة عصابة معروفة بـ "النشاشة" مصنوعة من القماش أو المخمل وتتدلى منها أهداب تكاد تغطي العينين. أما الشكيمة فعبارة عن قضيب معدني يتخلل فم الفرس أثبتت بطرفه سيور جلدية تلتصق بعنق المطية. والسرج مقعد جلدي يسوى جيدا على ظهر الفرس بعد وضع اللبدة تحته. ويتدلى من جانبي السرج طرفان مشدودان بحزام الدايرة الذي يحيط ببطن الفرس. ويسمى الجزء الأمامي للسرج القربوس، وظهره القربوس الخلفي. ويستعمل الركاب، المصنوع عموما من المعدن، لدعم رجل الفارس.


ألعاب الفروسية

وضمن هذا التقليد "الفانتازي"، يحرص الفارس أيضا على ارتداء زي مناسب، يتكون من "المنصورية" البيضاء اللون عموما، والحزام والجلابة والعمامة والسروال الفضفاض وكلها بيضاء. وينتعل نعلين من النوع العالي أو الواطئ. ويحمل خنجرا من نوع "الكمية" وقرن البارود، و"شكارة فيها آيات من القرآن الكريم. وعند إقدام الفارس على المشاركة في ألعاب الفروسية يتوضأ ويمتطي فرسه طاهر السريرة مصداقا لما يروم التعبير عنه من فضائل إنسانية متمثلة في الشجاعة وطهارة الروح. ويتمثل السلاح التقليدي لألعاب الفروسية في "البارودة" المعروفة بـ "المكحلة" المرصعة بخطوط متموجة دقيقة. ويحافظ الفارس عند توقفه على ركبته بارزة إلى الأمام، وساقه مائلة، وكعبه إلى الوراء، وأصابع رجله إلى الأسفل. وعند تحركه وركض فرسه ينتصب واقفا على الركاب، جاعلا رجله إلى الأمام وركبته إلى الخلف مما يمكنه من استعادة توازنه مستندا إلى أعلى القربوس الخلفي. وينطلق الفرسان مصطفين، ويزداد ركض الجياد التي تنهب بسنابكها أرض المضمار. وعندما يصبح "المقدم" بعبارة "الحفيظ الله" تدوي طلقات البنادق في وقت واحد محدثة فرقعة واحدة. هكذا تستحضر ألعاب الفروسية بعدا روحانيا مرتبطا بروح المقاتل والمنتصر، وبجيش قوي ينطلق فرسانه بسرعة البرق. فيما يظل الفرس، بكل ما يتمتع به من مؤهلات المتانة والقوة والتناسق والجمال، أساس الثراء الذي يتسم به هذا المهرجان الاستعراضي الشاهد على مجد تليد.


الزناتيون اشهر الركاب

وفي هذا الجانب الذي نتحدث فيه عن براعة الفرسان في ركوب صهوات الخيول، نستحضر كذلك العديد من القابل الشهيرة بركوب الخيل، والتفنن في "الفانطازيا" واحترافها وإقامة المواسم، وخلق الفرجة للجمهور في الكثير من الأعياد والناسبات و ارتبطت الفروسية، بالقبائل المغربية في أقاليم معروفة وجهات احترمت هذا الفن، وساهمت بشكل مباشر في تطويره، والمحافظة عليه من الانقراض.
ومن بين تلك القبائل والمناطق المشهورة بالفروسية نذكر على سبيل التمثيل، إقليم بن سليمان، إقليم خريبكة، الجنوب المغربي، إقليم خنيفرة، ازيلال وبني ملال، مكناس، فاس والمناطق الأطلسية، نسبة إلى جبال الأطلسي، هذا دون إغفال إقليم سطات جهة الشاوية عبدة ودكالة…الخ
كل هذه الأقاليم، والمناطق تعتبر أن الحصان الحيوان الأليف الذي يمكن معه أن تعيش أحلى اللحظات، لحظات كلها ذكريات، وفنية وكرنفالية، شعبية، وإحساس بالزهو العربي النادر.
في إقليم خريبكة" 200 كلم شرق الرباط" مثلا، توجد العديد من القبائل، المعروفة بهذا الفن الجميل، هناك بني خيران، بني سمير بني حسان، السماعلة، وأولاد إبراهيم، وفي هذه الأخيرة، يوجد العديد من الفرسان الذين عن علو كعبهم في ركوب الخيل و"التبوريدة" في إطار احتفالات وطنية ودينية غالية، من هؤلاء الفرسان نذكر على سبيل المثال، العربي ولد الطيبي، الذي يعتبر الفرس والحصان، و فن الفروسية، المحطات الأساسية في حياته الفلكلورية والفنية والاحتفالية، والكرنفال الاحتفالي الذي يعطي للإنسان إحساسا بالشرف والزهو العربي، والنخوة الوجودية التي لا تعدلها نخوة، خاصة إذا اعتبرنا أن ركوب الخيل في مثل هذه المناسبات يرتبط بالأرض، ومواقيت الصيف التي تكون خصيته، وفي موسم الحصاد والصيد.
يبدو الفرس والمغرب كما أكد أنييس كارايون اسمين في غاية التناسب لأن الفرس في المغرب حيوان ذو مكانة خاصة، وقد سرت الركبان بأخبار الفرسان المغاربة مند زمن طويل وأشهر هؤلاء دون ريب البربر الزناتيون الذين سجل التاريخ مآثرهم الفروسية، والذين يعود لهم فضل ابتكار ألعابها المعروفة بالفانتازيا. وقد خبر المغرب العربي في العصر الوسيط والأندلس مثله سيطرتهم واندفاعهم. وفي ما يلي لمحة تاريخية عن هذا الشعب من الفرسان.
ليس سهلا أن يصير قوم شعبا من الفرسان تنسج حوله الأساطير! فهذا الاستحقاق ثمرة تاريخ وتقليد وثقافة. وإذا كان البربر الزناتيون قد صاروا من أشد المقاتلين خطورة في الغرب الإسلامي إبان القرون الوسطى، فلأنهم كانوا أساسا رعاة! كان الزناتيون بمثابة اتحاد بربري يستقطب العديد من الفروع ـ كمغراوة، ومكناسة، وبنو إفران، وبنو مرين، وبنو برزال ويتكون في معظمه من قبائل بدوية وشبه بدوية ومنتجعة. وكانوا يعيشون في مناطق السهوب المتاخمة للصحراء وفي النجود العليا، على ارتفاع يقارب 1000 متر في المتوسط، و هكذا انتشروا في كل الجهات المتسمة بهذه الخصائص بين الساحل المتوسطي والصحراء وكانوا منصرفين تقريبا إلى الأنشطة الرعوية، متنقلين تبعا لضروريات الحياة و ظروفها، باحثين دوما عن الماء والمرعى لقطعانهم.  وباعتبارهم رعاة، كان الزناتيون يمتلكون الدواب والجمال وخصوصا الخيول التي يبدو أنها شكلت أساس قوتهم و ثرائهم، فيما لم تكن القبائل البربرية الاخرى تمتلك سوى القليل من الخيل. لقد كانوا بفضل ما في حوزتهم من مطايا مقاتلين محتملين، صبورين وقساة، معروفين ببأسهم و خفتهم، وسعيهم اليومي إلى تأمين معاشهم وسلامتهم لذا كانت شجاعتهم و فطنتهم وغريزتهم خصالا اجتذبت غيرهم إليهم باستمرار وجعلتهم مقصدا في الشدائد سيما وانهم كانوا مقاتلين يزرعون الخوف، على أهبة الموت فداء لبقية أعضاءالقبيلة التي لم يكن كل فرد فيها سوى حلقة في سلسلة.  ويستفاد من الأوصاف المتداولة بشأنهم أنهم كانوا شعبا متمردا، ممسكا بحريته بشراسة، شاقا عصا الطاعة على كل حكم قار ومركزي، ويمثل تهديدا دائما للمراكز الحضرية.


فرسان رعاة

أكيد أن الزناتيين كانوا أناسا ذوي طبائع خشنة، بعيدي الصلة بأسباب الحضارة، معتادين على حياة الحرمان، مرغمين كل يوم على مقاومة ظروف الزمان للعثور على طعام يقيم أودهم وخصوصا أود قطعانهم. كما أن لصوصيتهم التي ذمها الجميع أمر ثابت غير أن نمط حياتهم البدوية لم يحولهم بالضرورة إلى نهابين لقد كان عليهم بحكم عيشهم في ضواحي المدن المتواجدة في طريق الذهب، أن يمارسوا نوعا من المراقبة على هذه التجارة وأن يفرضوا إتاوات على هذه المدن لقاء ما يوفرونه من حماية مسلحة حتى تصل القوافل المحملة بالمعدن النفيس الى وجهتها بأمان ذلك أن سكان الحضر الذين كانوا يعيشون في وسط اختفت فيه الروابط القبلية، والذين لينتهم حياة المدن المحمية بالأسوار، لم يكونوا ذوي بأس في فنون القتال، مما جعلهم يعهدون بمهمة الدفاع عنهم إلى هؤلاء الرعاة الفرسان الذين كان حمل السلاح مدعاة فخر لهم. غير أن ما تدره مراقبة طريق الذهب من مكاسب كبيرة جعلها مثار الأطماع. هكذا اضطرت القبائل الزناتية إلى التراجع تدريجيا نحو الغرب في أعقاب معارك ضارية كانت الغلبة فيها للفاطميين الذين زعزعوا التوازن الذي كان سائدا وقتئذ في المنطقة. ويبدو أن الزناتيين عند تقهقرهم إلى الوراء، بعد تعرضهم للاقتلاع من أراضيهم وحرمانهم من مراعيهم التقليدية ومن موارد مالية هامة، اضطروا إلى ممارسة اللصوصية و قطع الطرق على نطاق واسع، فأشاعوا الفوضى في المغرب العربي، مخلفين فيه لاحقا سمعة سيئة. مقاتلون مخيفون.  تتفق كل المصادر التاريخية على أن الزناتيين كانوا بشهادة حلفائهم وأعدائهم على السواء فرسانا لا يشق لهم غبار، بارعين في ركوب الخيل، ويجمعون بين الخفة والصبر. فبحكم تعودهم في حياتهم اليومية البدوية أو شبه البدوية على قطع مسافات طويلة، صار ركوب الخيل سلوكا متأصلا فيهم. مما أدى مع مرور الأيام إلى نوع من الاتحاد الوثيق والتآلف التام بينهم و بين مطاياهم. كانوا يجوبون مختلف جهات المغرب العربي بسرعة كبيرة للبحث من مراع لقطعانهم أو الانقضاض على عدوهم. هكذا جعلت منهم خفتهم المقرونة ببراعتهم التي لا تضاهي مقاتلين بواسل يهابهم الجميع حتى أن مقاتلا شجاعا من قوم آخرين قال اذا إلتقى مئة منا زناتيا واحد فإنهم فارون لا محالة، لأنهم لن يجرؤوا على منازلته، ولذلك ظلوا يعتبرون لزمن طويل أفضل فرسان الغرب الإسلامي.

قتال متحرك يتناسب تماما و حركية الفر والكر

وتعود شهرة الزناتيين إلى براعتهم في تقنية الكر والفر الموغلة في القدم. فقد سبق استخدام هذه التقنية من طرف البرثيين والنوميديين قبل أن تعتمدها لشعوب والبدو. وتتمثل في انقضاض جمع من الفرسان على العدو دون إتباع نظام محدد. اذ يظهرون،من جهة غير متوقعة ويندفعون بخيلهم المسرعة مطلقين صيحات مدوية. و في الوقت الذي يقف خصومهم مبهوتين، غير مدركين بعدما يحدث لهم، يقوم المغيرون بتطويقهم و يمطرونهم بالسهام والرماح و يعملون فيهم السيوف. و بغتة يتراجعون متهربين من أسلحة الأعداء، و موهمينهم بالفرار. فإذا لحق بهم هؤلاء بعيدا كان الهلاك مصيرهم وكانت هذه الهجمات تتم بموجات متلاحقة وسريعة لمجموعات صغيرة من الفرسان ينطلقون من حيث لا يحتسب عدوهم. وعند انتهاء الهجمة، يجتمعون على إيقاع أحد الطبول ويعيدون الكرة إلى أن ينهكوا خصومهم أو يبيدوهم. ومع أن تقنية الكر والفر ليست زناتية تحديدا، إلا أن هؤلاء الفرسان الرعاة برعوا في استخدامها بفضل دربتهم على الحياة في مناطق مكشوفة، صحراوية تقريبا و قليلة المخابىء. فكان عليهم خوض قتال متحرك يتناسب تماما و حركية الفر والكر. ولا تزال ذكرى هذا التكتيك القديم حية إلى اليوم حيث يمارسه المغاربة في ألعاب الفروسية التي حلت فيها طلقات البارود محل الرمي بالسهام.  كانت الأسلحة المفضلة لدى الفرسان الزناتيين هي الحسام أو السيف، والرمح، وخصوصا القوس. وكانت واقياتهم تقتصر على ترس مصنوع من عدة طبقات جلدية ألصقت ببعضها وخيطت، ومثل هذه التروس معروفة بخفة حملها ونجاعة صدها لضربات العدو. وقد تلافوا ارتداء الدروع حتى لا تعيق حرية حركتهم وحتى لايثقلوا مطاياهم بحمل إضافي يؤثر على سرعتها. سيما أن قوتهم الأساسية تمثلت في سرعة هجماتهم، إذ كانوا مهرة جدا في الضربات الدقيقة بالحسام وخصوصا في الرمي بالسهام في كل الإتجاهات الأمامية والخلفية، بينما الفرس يعدو بسرعة كبيرة. و ما كان بلوغ هذا المستوى من البراعة ممكنا الا بتدريب متواصل يثابر عليه الفارس وفرسه معا. كانوا يمتطون خيلهم واضعين أقدامهم في ركابين قصيرين مدليين، مما كان يمكنهم من حرية حركية أكبر، ومن الاستدارة بنصفهم الأعلى بكيفية أفضل، والاستقلال أكثر عن سرجهم. هكذا كان الفارس منهم يقف على ركابيه، ويستدير، ويطلق سهمه، و يعود للجلوس سريعا حتى يتفادى ضربات عدوه. كانوا يستعملون سرجا منخفض القربوس والقربوس الخلفي، ولو أنه يبدو أن القرابيس تطورت ابتداء من القرن الرابع عشر تقريبا (القرن الثامن الهجري) مع ظهور القذافة، بحيث صار بإمكان الفارس الإستناد إلى القربوس الخلفي لتصويب سهامه. و تشهد السروج المغاربية حاليا على هذا التطور. كانوا يركبون أفراس المغرب. و هي أفراس صغيرة قادرة على قطع مسافات طويلة بسرعة منتظمة.

تاريخ الزناتيين

ويعتبر فرس المغرب المتميز بخفة خارقة، من أسرع الخيول في المسافات القصيرة. كما يستطيع التوقف بغتة و تغيير الاتجاه في زمن قياسي. لذلك ان هو الفرس الأمثل لقيام الزناتيين بمناوشاتهم. وما لبثت قدراتهم القتالية أن عادت عليهم بالمكاسب. فقد كانت الدولة التي أسسها الأمويون بأسبانيا غنية و قوية، لكن سكانها كانوا خوافين، فكان أهالي المدن والمزارعون على السواء يتركون شؤون القتال لغيرهم عن طيب خاطر ولذلك عمد ملك الأندلس، الذي كانت خزائنه طافحة بالأموال، إلى تجنيد مقاتلين مرتزقة استقدمهم من الجانب الآخر للبحر. فكان هذا الأمر نعمة للزناتيين الذين لم يعد أمامهم من خيار، بعد تضييق الخناق عليهم من طرف الفاطميين وفقدانهم لمراقبة أراضيهم،سوى بيع أنفسهم كمقاتلين للخليفة الأموي. وهكذا عبر الكثير منهم المضيق البحري الذي كان يفصلهم عن الأندلس، فرادى في بداية الأمر، ثم سرعان ما أخذوا يصطحبون معهم نساءهم وأطفالهم. وقد قوبلوا في الفترة الأولى بازدراء لفرط خشونتهم. غير أن الخليفة الموالي، الحكم الثاني (365-350 هـ / 976-961 م) أعجب ببراعتهم الفروسية"  انظروا إلى هؤلاء القوم كأنما فطروا على ركوب الخيل. ما أروع السلاسة التي تنقاد بها جيادهم، كأن هذه الأخيرة تفهم حديثهم" لذلك استقدم المزيد منهم، وكذلك فعل خلفه. إلى درجة أن المقاتلين البربر المأجورين، وعلى رأسهم الزناتيون، سرعان ما احتلوا أعلى المراتب في الجيش الأندلسي، وصاروا يتمتعون بقوةو نفوذ لا مثيل لهما، و تصرف لهم رواتب سخية. لكن السكان ظلوا يزدرونهم.لذلك عندما اندلعت الأزمة داخل السلطة الحاكمة ( 399 هـ 1009 م)، كان نشوب الحرب الأهلية محتوما، لأن كل الأطراف سعت للحفاظ على امتيازاتها. فعمد البربر إلى نهب قصر الخليفة، ثم قضوا أياما ينهبون قرطبة ويعيثون فيها قتلا واغتصابا وابتزازا. فكانت تلك الأيام المشؤومة وبالا على المدينة بكاملها. وقد اتهم مؤرخون عديدون البربر بضلوعهم في سقوط الخلافة ونهاية عصر ذهبي. نجم عن هذه الأزمة تقسيم سياسي للبلاد، فاقتطع الزناتيون لأنفسهم إمارات صغيرة مستقلة لم تصمد طويلا أمام ضغوط الدول المجاورة الأقوى منها. فكان ان انتقلوا إلى الخدمة غرناطة في عهد بني زيري، وما لبثوا أن صاروا مرة أخرى أهم أطر الجيش، مستغلين هذا الإمتياز لإثارة القلاقل في الدولة التي يخدمونها. وعاد الوضع يتكرر من جديد. إذ شهدت سلطة بني نصر المعروفين ببني الأحمر: (897/629 هـ / 1492-1232 م) خصاصا في المقاتلين الأشداء كما كان الحال دائما في الأندلس، فيما ازداد ضغط الحملات المسيحية المضادة. فاضطر بنو نصر الى استئجار أعداد من المقاتلين وهكذا وفد الى غرناطة عدد كبير من الزناتيين المرينيين، المنشقين عن الفرع الذي كان حاكما في فاس، وسرعان ما بسطوا نفوذهم واستأثروا برواتب كبيرة، فالسلطان النصري كان في أمس الحاجة إليهم، لأنه ما كان لدويلته ان تصمد طويلا أمام الضغوط المتزايدة لمسيحيي الشمال بدون مقاتلين محنكين، ولأن هؤلاء المتطوعين بوازع الإيمان (هكذا كانوا يسمون المأجورين الزناتيين) أدركوا مقدار حاجة الحكم اليهم، أخذوا يتصرفون كما يحلو لهم، مكونين دولة داخل الدولة، مملين آراءهم على الملك ومتدخلين باستمرار في الشؤون الداخلية للسلطنة، وإذا اجترأ الملك على الوقوف في وجههم يكون مآله القتل إلا ان محمد الخامس، أقوى سلاطين بني نصر، أدرك خطورتهم على مملكته فاستغنى عن خدماتهم ابتداء من سنة 1374 م 775 هـ وبعد ذلك بقرن سقطت المملكة في أيدي الملوك الكاثوليك وبذلك انتهى الوجود الاسلامي في الارض الايبيرية.  أسطورة الفارس الموريسكي  وكان مسيحيو شبه الجزيرة الايبيرية ـ حسب الباح كار ايون ـ أكثر الناس انذهالا بالمهارة الفروسية التي أبداها الزناتيون، وبتقنية الكر والفر لديهم، ففي الواقع، كانت التقنية المعتمدة من طرف مسيحيي أوربا الغربية مناقضة تماما لتكتيك البدو،لانها كانت تقوم على وحداث ثقيلة من الخيالة، وكانت فعاليتها تتوقف على قوة الزحف الشبيه ب المرداس: إذ كان الفرسان يهاجمون العدو في صفوف متراصة لسحقه، ولذلك كان المقاتلون يرتدون دروعا ثقيلة لحماية انفسهم، ولكي يثبتوا جيدا على سروجهم، كانوا يتخذون لاقدامهم ركابين طويلين، مما يجعل سيقانهم ممدودة، وكانت سروجهم مجهزة بقاربيس عالية نسبيا وملتفة تمكنهم من الثبات جيدا ومن تعليق دروعهم عليها احيانا تلافيا للسقوط، لكن متى وقعوا ارضا يظلون رازحين تحت ثقل عتادهم فيجهز عليهم مشاة الجيش الخصم ويقتلونهم، اما خيولهم فكانت ضخمة لاتمتاز بالسرعة ولكنها تستطيع حمل الفارس بكل أثقاله من الدروع والاسلحة. وكم كانت دهشة المسيحيين كبيرة حين واجهوا لاول مرة المقاتلين البربر المأجورين! فقد بهتوا وهلك معظمهم، وإكراما لعدوهم إن جاز القول، اطلقوا على الطريقة التي يركب بها الزناتيون خيلهم (الركوب على الطريقة الزناتية)، فيما كانت طريقتهم معروفة وصارت الطريقة الزناتية قدوة، حتى ان كلمة الاسبانية تعني حاليا الفارس أوالفارس الحاذق كما يرى دوزي، وهي مشتقة مباشرة من كلمة زناتي. وحرصا من المسيحيين على تحسين أداء جيشهم وقتال الخصم بسلاحه، استدعى القشتاليون، وكذلك آل أراغون، الفرسان البربر الى بلاطهم وأدمجوا وحدات خفيفة من الخيالة في جيشهم، وهو ما يعد حدثا فريدا في الدول الاوربية آنئذ، واخذ النبلاء الأسبان يتبعون طريقة الزناتيين في ركوب الخيل، كما هو شان بعض الشبان الذين تلقوا تربيتهم في بلاط الفونس الحادي عشر والذين صاروا يركبون كالزناتيين، بل إن ملك قشتالة هنري الرابع نفسه شوهد يركب جواده على الطريقة الزناتية، وكان حرسه الخاص يضم الى جانب الجحنود المسلحين وحدات كاملة مجهزة مثل الزناتيين، وكان سميره القائد العام "ميغيل لوكاس دي ارانزو"، الذي قاتل طويلا مسلمي مملكة غرناطة، يمتطي حصانه كأي زناتي، مرتديا كساء من الحرير زاهر الألوان، كما كان دي ليون، المركيز دوق قاديش، فارسا ممتازا على الطريقة الزناتية، هكذا كان كبار الفرنسان يركبون خيلهم بطريقة ال brida كما بال jineta على السواء وكانت السيوف الزناتية، المزخرفة جدا، مطلوبة كثيرا هي الاخرى.

مهارة الفارس الزناتي

وكان الموريسكي جذابا. كان في آن واحد العدو المشنع عليه والخصم المثير للإعجاب. وقد ظل وجهه متجذرا في المخيال المسيحي حتى بعد استعادة الأندلس من المسلمين بزمن طويل. ويزخر الأدب الأسباني المكتوب خلال القرون التي أعقبت سقوط مملكة بني الأحمر، والذي استلهمه المستشرقون الأوروبيون كثيرا في دراساتهم، بالإشارات إلى مسلمي أسبانيا، كما كان موري سكي غرناطة، المنسوب إلى الشرق، يحمل صفات الزناتي، وكان وضع العمامة على الرأس أولى هذه الصفات. فكان المسيحيون يقرنون كل مسلم بالعمامة، بينما كان يتفرد بها زعيم المقاتلين البربر. إن المثل الأعلى الفروسي كما صاغه الغرب المسيحي حل محل الفارس الزناتي. فذاك الذي أذهل خصومه بمهارته الفروسية تحول في مخيالهم إلى ند للفارس النبيل الأصل، الفاضل والشجاع، ونصير الأرملة واليتيم، وانتقل من فارس همام إلى النموذج الأمثل لكل الفضائل الفروسية في العالم الآخر، نموذج المؤمن بالله، الجامع لصفات النبل واللطف واللباقة والبسالة في القتال. لقد صار للفارس المسيحي منافس رفيع القدر. كما احتفظت له العديد من القصائد الإسبانية الملحمية، التي خلدت حميته وأعماله، بصورة الخصم المخيف. هكذا تأتي للزناتيين، الذين كانوا مجرد رعاة ذوي حياة بسيطة وخشنة، أن يندرجوا ضمن ملحمة الشعوب ذات المآثر الفروسية، كانوا يمتطون الخيل باستمرار لتعقب قطعانهم. وتحولوا من فرسان منقطعي النظير إلى عناصر بالغة النفوذ في جيوش مختلف الدول التي تعاقبت في الأندلس. وفي كل مرة كان التاريخ يعيد نفسه، فهم المعروفون بالفظاظة والخشونة، كلما التحقوا بخدمة إحدى هذه الدول ذات التكوين الحضري والرعايا القليلي الميل إلى القتال فرضوا أنفسهم تدريجيا عليها، ثم ما لبثت حياة المدينة أن استهوتهم، ففقدوا فطرتهم القتالية والقبلية التي بوأتهم أعلى مراتب الحكم. لقد ساهم هؤلاء الفرسان المدهشون، أكثر من غيرهم، في صياغة أسطورة الموريسكي في إسبانيا المسيحية المنتصرة التي ظلت زمنا طويلا معجبة بالغريم الذي كانت تقاتله. كما حولوا أزياءهم وطريقة إسراج خيلهم وتقنيتهم الفروسية إلى قدوة تحتذى. وسيظلون في اللغة الأسبانية رمزا للفرسان المغاوير.


مباخر مصنوعة في شكل أحصنة

إذا كانت الفروسية تشمل كل ما له علاقة بالخيل، كركوب الجياد للتباري، والبيطرة، وعلم الخيل، وكذا فنون القنص والحرب باستخدام الجياد، فإنها أيضا نمط عيش وحالة ذهنية يقومان على الشجاعة والكرم وعزة نفس الفارس الذي يراعي قواعدها. تحفل كلمة فروسية المشتقة من الفرس منذ العقود الأولى للخلافة العباسية، بالمعارف العملية والنظريات والقيم الأخلاقية. وتعود جذور اللفظة في جزء منها إلى التقليد الفارسي الذي تبوأ فيه الفرس مكانة رفيعة، فالمقاتلون البواسل الذين تزخر بهم الأساطير الفارسية مصحوبون دوما بمطايا ذات صفات استثنائية تكاد تكون خارقة، إذ نجدها تتمتع مثلا بقوة الفيل وسرعة الظبي... وكانت البلاطات الساسانية تولي الأنشطة الفروسية مكانة هامة، حتى أنها كانت جزءا من التعليم الملقن لكل فرد من أبناء النبلاء، كما نتبين ذلك جيدا من مجموعة الصور الخاصة بالتحف المتعلقة بهذه السلالة، كالمباخر المصنوعة في شكل أحصنة، والكؤوس النفيسة المزخرفة بمشاهد القنص. غير أن فكرة الفروسية ترجع بالكامل إلى الثقافة العربية الإسلامية. فقد نشأت في عهد الخلافة العباسية إبان القرن الثامن الميلادي والقرن الثاني الهجري، أي في مرحلة مبكرة جدا من تاريخ العالم الإسلامي. وكان خيرة المقاتلين في الجيش العباسي يتلقون تداريب قاسية على مبادئ الفروسية العسكرية. وسرعان ما قام بعض القادة العسكريين بتنظير أسس الفروسية، فظهرت أبحاث عديدة وضعت قواعدها، ومن حسن الحظ أن بعض هذه الأبحاث وصلتنا عن طريق نسخ خطية أنجزت لاحقا بكيفية مسلية أحيانا لأنها زينت برسوم تعليمية تبقى رغم سذاجتها ذات طابع علمي وبتجميع كل هذه المخطوطات والمقاطع نتمكن من تركيب الصور المتكاملة للفروسية، وبذلك تعتبر المخطوطات المذكورة بمثابة كتب موجزة عن المقاتل المهذب في شرق العصور الوسطى، والفارس الكامل للعالم الإسلامي، فهي تعلم الفارس الكيفية المثلى لاستعمال رمحه أو مقمعته أو سيفه سواء كان ممتطيا فرسه أو راجلا، ومتى طرح أرضا وجرد من سلاحه عليه أن يكون ملما بأساليب القتال دون سلاح، وإذا بوغت بضرورة عبور أحد الأنهار يجب عليه أن يكون سباحا ماهرا... كما يكون على دراية بصنع الأسلحة والتقنيات العسكرية وكذا بأكثر المسائل الاستراتيجية تعقيدا. وتبذل له في الأخير بعض النصائح المرتبطة بممارسة القنص والصيد اللذين كانا، شأن لعبتي البولو والكريكت، واسعي الانتشار ويتخذان شكل تحضير نظامي يتعدى البعد الترفيهي.


مفهوم الفروسية معاني عميقة

ومجمل القول أن التدريب كان لعبيا ومتشددا! ولا أدل على ذلك من الطابع الرمزي الذي أضفي على مطرقة البولو الخشبية التي كانت ترفع في الاستعراضات الرسمية على غرار بقية الشعارات الملكية. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، وبينما أشرفت الدولة العباسية على الانهيار، دخلت الفروسية عصرا ذهبيا جديدا في عهد السلاطين المماليك الذين كانوا عبيدا مقاتلين في ظل السلالة الأيوبية (1171ـ 1256 م) وتولوا حكم مصر وسورية بين 1250 و 1517م. فقد كان المماليك يتعلمون قواعد الفروسية منذ حداثة سنهم في مدارس خاصة انشئت داخل قلعة القاهرة. ويحكى أن شغف الناس بهذا الفن في تلك الفترة بلغ حدا جعل الميادين تستقطب، على غرار مثيلتها في ألعاب روما، حشودا من المتفرجين القادمين لمشاهدة تداريب الجنود. وفي سنة 1516 سحق سليم الأول جيوش المماليك، واحتل العثمانيون مصر وسورية. غير أن الفروسية المتجدرة في العادات ظلت قائمة، حيث استمرت ألعابها في اسطنبول عاصمة المنتصرين. كما أنه من المرجح جدا أن المغول كانوا على علم بها، سيما أن نفائسهم مليئة بخناجر ثمينة مزينة برؤوس الخيل وكذا بعض القطع الرائعة لإسراج الفرس. وتدريجيا، مع انهيار هذه الإمبراطوريات، فقد مفهوم الفروسية معانيه العميقة، ولم يبق مستمرا إلا ضمن بعد وحيد يختزله في الألعاب الرياضية المرتبطة بالفرس. وليس للفظة "فروسية" مقابل في اللغة الفرنسية. وعند اشتقاقها في القرن الثامن الميلادي، في عهد الخلفاء العباسيين (750 ـ 1258م) ببغداد، كانت تشمل عدة مهارات وممارسات. فكان من معانيها تربية الخيل وترويضها وركوبها، وكذا البيطرة، واستعمال الأسلحة، وتكتيك القتال، وفن الصيد ومختلف الرياضات المتعلقة بالفرس. وكان إتقان هذه المعارف يكتمل بقانون أخلاقي. وتشهد الفروسية على تعلق العرب الشديد بالفرس منذ العصور القديمة، وهو تعلق ورثوه من تقاليد موغلة في ليل الأزمنة. ومند القرن التاسع الميلادي صارت الفروسية موضوعا للعديد من المؤلفات. غير أن أقدم هذه المصنفات ضاعت للأسف، وتبقى الكتب المعروفة هي تلك التي وضعت بطلب من السلاطين والأعيان المماليك. ومتى علمنا أن الدولة المملوكية التي أسسها عبيد مقاتلون من أصل تركي وبسطت سلطانها على كل من سورية ومصر (1250 ـ 1517م) هي التي أوقفت زحف المغول نحو الغرب، فهمنا مدى اهتمامها بكل ما يتعلق بتكوين الفارس. وتوخيا للمقاصد التعليمية، كانت مصنفات الفروسية مزينة بكثير من الرسوم التوضيحية، شأنها في ذلك شأن الكتب المخصصة لتربية الخيل والبيطرة. لذا تجدر الموازاة بين هذه الرسوم والقطع الخاصة بعدة الفارس وإسراج مصليته، وهي قطع لا تزال منها العديد من الشواهد المتعلقة بمختلف حقب العالم العربي الإسلامي ومناطقه. كما يجد أن نرى، في نفس السياق، كيف تم تصوير الخيل والفرسان في الإسلام على مختلف أنواع السناد.
 معروضات أسلحة وواقيات  وكما قلنا في البداية أن المعرض ينتظم حول أربعة مسارات، ومنها الفروسية، حيث الفرس مطية للعب وتقديم عروض للفرجة ولكنه " سلاح " في الحرب الشيء الذي يحيلنا مباشرة إلى الحديث قليلا عن أدوات الحرب، التي عرضت الكثير من النماذج القديمة، و من هذا الجانب يرى الباحث دافيد نيكول أن التقنيات العسكرية في شبه الجزيرة العربية زمن الرسول محمد اذا لم تكن قد حظيت بما تستحقه من دراسات تعرف بها، فمن المؤكد أن العرب تأثروا كثيرا بجيرانهم المتقدمين تقنيا، سواء في الإمبراطورية البيزنطية أو فارس الساسانية، وحتى الهند، حيث كانت الأساليب البيزنطية القديمة غالبة طبعا في الشمال الغربي لشبه الجزيرة، والأساليب الفارسية في شرقها، والأساليب الهندية، وإن بدرجة أقل، في جنوبها. وكان السيف والرمح هما السلاحين الأكثر استخداما، فيما لم تكن للقوس سوى مكانة ثانوية واقتصر استعماله على المقاتلين المشاة. وكانت معظم الواقيات من الزرد، وإن كانت العدة الدفاعية التي من الجلد، المصنوعة غالبا في اليمن، منتشرة هي الأخرى. وكانت شعوب المناطق التجارية المزدهرة، المعرضة لنزاعات مستمرة كالحجاز تتوفر على أسلحة كثيرة جدا. وشهد الفتح العربي الإسلامي، الذي سرعان ما انتشر من آسيا الوسطى والهند حتى المحيط الأطلسي واسبانيا، ظهور تقنيات عسكرية جديدة على مستوى الأسلحة الهجومية والدفاعية المستخدمة من طرف الجيوش الإسلامية خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. وبعد إقامة دولة إسلامية مترامية الأطراف، صارت معظم هذه الجيوش إقليمية، مما أدى إلى تطور أساليب جهوية. هكذا بدأت التقنيات العسكرية لأتراك آسيا الوسطى تنتشر إبان القرنين الثامن والتاسع في آسيا الوسطى وشرق إيران الحالي، بينما ظلت أساليب فارس الساسانية غالبة في الغرب الإيراني والأصقاع الشرقية للعالم العربي إلى حدود القرنين التاسع والعاشر. وحافظت الأساليب البيزنطية القديمة على استمراريتها طيلة القرن العاشر في شرق الأناضول وحتى القرن الثاني عشر في كل من سورية ومصر. وكان الوضع أكثر غموضا في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الايبيرية حيث كانت التقنيات العسكرية السابقة للإسلام أكثر تأخرا إجمالا من مثيلتها لدى العرب المسلمين، وذلك رغم إرثها البيزنطي.


تأثرات تركية وفارسية

لا يعني هذا أن المسلمين اكتفوا باعتماد الأساليب العسكرية للشعوب التي فتحوا بلدانها. غير أن إسهامهم في تطوير تقليد إسلامي خاص، وفي تاريخ التقنيات العسكرية بصفة عامة، يعود أساسا إلى دورهم كناشرين لمختلف التأثيرات على نطاق جغرافي واسع. فبفضل دورهم هذا، أمكن لفارس أن تمد تأثيرها حتى شمال أفريقيا، وللتقنيات البيزنطية أن تبلغ ايبيريا، وللتقليد العسكري لأتراك آسيا الوسطى خصوصا أن ينتشر في مجموع الشرق الأوسط. كما أن التأثير التركي نقل بدوره التقنيات العسكرية الصينية فمكنها من الانتشار غربا والوصول حتى إلى شبه الجزيرة الايبيرية ولو بشكل متفرق. وما لبث أن تطور تقليد عسكري إسلامي حقيقي، شمل الأسلحة الهجومية والتصور الاستراتيجي. غير أن ذلك لم يتم بكيفية موحدة أو متراصة. فكانت هناك متغيرات هامة بين جهة وأخرى، تبعا للتقاليد والظروف المحلية، وتبعا أيضا لتجنيد الجيوش الوافدة من أصقاع أخرى بأسلوبها الخاص. إلا أننا نلاحظ حسب ماءت به البحوث عموما هيمنة التأثيرين التركي والفارسي اللذين أقصيا التقنيات البيزنطية والمتوسطية إلى المرتبة الثانية، على الأقل بعد انصرام القرن الأول من التاريخ الإسلامي. وظل هذا المنحى قائما حتى بدايات الأزمنة الحديثة بتساوق مع استحواذ الأتراك والسلالات ذات الأصل التركي على السلطة السياسية في معظم القوى العسكرية الإسلامية.  سيوف الخيالة  اعتبر الرمح، منذ الأزمنة القديمة السابقة للإسلام، سلاحا عربيا نموذجيا. كما اشتهر العرب خلال القرون الأولى للهجرة باستخدام سيف قصير نسبيا، عريض النصل، ينبغي إدراجه بالأولى ضمن تقاليد المقاتلين المشاة الرومان والبيزنطيين بدل تقاليد الخيالة الايرانيين الذي كانوا يستخدمون سيوفا طويلة النصال منذ قرون عديدة. وإذا كان الرمح العربي ظل مستخدما حتى الأزمنة الحديثة، فإنه سرعان ما تم تعويض السيف بأسلحة طويلة النصل، أكثر ملاءمة للقتال على ظهور الخيل، اشتهرت مع ذلك بتسميتها سيوفا. والملاحظ أن استمرار استخدام الحسام ورسوخ تقليد حربي يعتمد أساسا على المشاة اقتصرا على جنوب شبه الجزيرة العربية وشرقها (اليمن، حضرموت، عمان) وكذا على بعض المناطق المعزولة منها. أما سيوف الخيالة، الطويلة والأحادية الشفرة، فقد كانت من الأسلحة التركية المغولية في آسيا الوسطى. ومن المعروف أنها ظهرت في فارس والإمبراطورية البيزنطية قبيل الفتوحات العربية في القرنين السابع والثامن. وانتشرت بعد ذلك في معظم أرجاء العالم الإسلامي إلى أن صارت في القرن الخامس عشر السلاح الغالب في وحدات الخيالة. غير أن الحسام الأحادي الشفرة لم يعوض كليا السيوف ذات الحدين. ورغم أن الحسام كان معروفا منذ أمد بعيد، فإن شكله الحقيقي القصير النصل أدخل إلى فارس الإسلامية من طرف أتراك آسيا الوسطى ابتداء من القرن العاشر الميلادي وعم استخدامه بعد ذلك بأشكاله العديدة جدا في مجموع البلاد الإسلامية حتى وصل غرناطة، آخر معاقل الأندلس المسلمة، في القرن الخامس عشر. بموازاة ذلك، استمر استعمال سيوف أكثر ثقلا مستقيمة النصل وذات حدين في العديد من أرجاء العالم الإسلامي، سيما في إفريقيا المتاخمة للصحراء، حتى الأزمنة الحديثة.  استعملت أيضا سيوف أصغر حجما (شكل بعضها متوسط بين السيف والخنجر) في مناطق عديدة خلال مختلف العصور. ويبدو أنه ساد في هذا المجال تقارب كبير على امتداد العالم الإسلامي قد يعزى إلى حرص المسلمين غالبا على حمل شكل خاص من السلاح الشخصي يدل على الهوية الثقافية أو الدينية. ويعتبر الخنجر خير مثال على ذلك، ومع أن التقاليد الجهوية ساهمت في تطور الخنجر، مما جعله ينتشر بأشكال عديدة في العالم الإسلامي قاطبة، إلا أن هذا السلاح يحيلنا مرة أخرى إلى أصول إيرانية شرقية أو تركية... وكان ثمة أنواع خاصة من الخناجر انحصر استعمالها في بعض المناطق التي كانت تقع عموما في تخوم العالم الإسلامي، كالمغرب والقوقاز، والهند الشرقية حيث انتشر الخنجر الملتوي ذو الحدين الذي يعود الى الحقبة السابقة للإسلام. ونجم عن استخدام الفؤوس والمقامع ازدهار أسلوب إسلامي نموذجي عبرت عنه ثروة مصطلحية بلغت من الغزارة حد وصف الفروق الدقيقة بين مختلف أنواع الأسلحة، ونتبين من هذه المصطلحات، وكذا من القطع المحفوظة والرسوم المتبقية، مختلف أنواع الفؤوس ذات النصل الضيق المزخرف، كما كانت المقامع في غاية التنوع من حيث ثقلها وشكلها ورأسها وطول مقبضها ومواد صنعها. وانتشر استعمال الرمح خلال الحقبة الأولى من التاريخ الإسلامي، خصوصا من طرف الجيوش العربية والفارسية، وظل الرمح من أسلحة الخيالة في جل البلدان الإسلامية حتى بعد التخلي عنه في أوربا الغربية. وتعود هذه الخصوصية على الأرجح إلى حركية الجيوش الإسلامية وانضباطها خلال العصر الوسيط، وتفوقها في هذا المجال على خصومها الأوروبيين، وكذا إلى واقياتها الخفيفة الملائمة لتكتيكها. وإن ما عرفه سلاح بسيط كالرمح من تنوع شديد في الأشكال والأحجام والأوزان، وما تم ابتكاره من مصطلحات معقدة لوصفه، ليظهر أهميته لدى المقاتلين المشاة والفرسان على حد سواء، ناهيك أن مناورات الخيالة لاستعمال الرمح لم تقتصر على العالم الإسلامي، بل تم تقليد هذه التداريب من طرف الشعوب المجاورة، من الإسبان إلى الإثيوبيين مرورا بالأرمن.  عتاد الجيوش الإسلامية
 غالبا ما تم الإلحاح على خفة العدة الدفاعية للجيوش الإسلامية مقارنة بمثيلتها لدى خصومها الغربيين، غير أن هذه الصورة مفرطة في التبسيط، وفيماتم إبراز العتاد الذي كانت تتوفر عليه الجيوش الأوروبية إبان العصر الوسيط، بخست قيمة الوسائل الوقائية التي كانت في حوزة الجيوش الإسلامية منذ حقبة الفتوحات الأولى، ويبقى صحيحا مع ذلك أن الفوارق كانت كبيرة بين الجهات الإسلامية، تبعا لماكان متوفرا من موارد الحديد والأموال الضرورية لصنع العتاد العسكري أو استيراده، وقد عرف التاريخ العسكري الإسلامي أربعة أنواع رئيسية من الواقيات الجسمانية، الزرد، والواقية الصفيحية، والواقية اللينة (من اللبد المبطن أو الجلد المدبوغ)، وأخيراً واقية خاصة مكونة من الزرد والصفائح، إلا أن الاكتشافات الأثرية أظهرت حديثا وجود شكل خامس من الواقيات كانت تصنع من قطع من الأطواق الجلدية الصلبة والمنضدة يعود أصلها إلى آسيا الوسطى أو الصين، كما تؤكد تنقيبات حديثة جرت في سورية استخدام الجلد الصلب، المعاد تشكيله فيما يبدو، في صنع الخوذات. وسمح التأريخ بطريقة الكربون 14 بتحقيب القطع الخشبية والأوتار التي تم العثور عليها في هذه التنقيبات في القرن الثاني عشر الميلادي. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن التنقيبات السورية حسب العديد من الباحثين كشفت عن خوذة من الجلد (أو عمرة مقواة) تتخللها قطع خشبية صغيرة، كما ورد ذكر الخوذات الخشبية في بعض النصوص التي ظلت مبهمة لزمن طويل. أما الواقية من الصلب، المكونة من صفائح حديدية كبيرة مشدودة فيما بينها أو مثبتة بمسامير مثناة، كتلك التي كان يحملها المقاتلون المدرعون في أوربا الغربية خلال الفترة المتراوحة بين القرن الخامس عشر وبدايات الحقبة الحديثة، فكانت قليلة الانتشار في العالم الإسلامي. وتشهد كل نماذجها النادرة المعروفة، سواء في الأندلس أو جنوب الهند أو الفليبين، على تأثير عسكري غربي. وكان الزرد (المعروف عموما بالدرع) إلى جانب المغفر أكثر الواقيات المعدنية انتشارا في المناطق المتوسطية والشرق الأوسط وإيران زمن النبي محمد. وما لبثت هذه الواقية الجسمانية أن تطورت لاحقا إلى أشكال متنوعة جدا تتراوح بين الزرديات العادية (دروع الحلق) والكزغند المبطن والمغطى بصفيحة تزينية. وكانت الواقية الصفيحية منتشرة في شرق إيران، وأفغانستان وآسيا الوسطى، رغم أنها كانت موجودة أيضا في الشرق الأوسط خلال الحقبة الرومانية، وفي فارس الساسانية إبان القرون السابقة، ثم انتشرت بين القرنين الثامن والرابع عشر نحو غرب العالم الإسلامي إلى جانب أساليب عسكرية أخرى أدخلها أتراك آسيا الوسطى. هكذا درج استخدام الدرع الصفيحي (المسمى أيضا الجوشن) في جل البلاد الإسلامية حوالي القرن الثاني عشر، ربما باستثناء شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية ومع ذلك فهو لم يحل محل الزرد. بل غالبا ما كانت هاتان الواقيتان ترتديان معا ـ حيث يكون الجوشن هو الأعلى عموما إلى حين ظهور واقيات مصنوعة من الزرد والصفائح وفقت بين مزايا التقنيتين.


الواقيات اللينة واسعة الانتشار

إن المفردات المتنوعة التي تشير إلى مختلف أنواع الواقيات الزر دية والصفيحية اشتقت أحيانا من كلمات قديمة مختلفة المعنى. غير أن هذا الأمر لم ينطبق على الإمبراطورية العثمانية التي غالبا ما أطلق فيها على هذا الطراز الجديد من الواقيات الجسمانية لفظ كورازين المشتق من الأوربية ومن مختلف لهجات البلقان. وكانت هذه الواقية تصنع من صفائح حديدية متنوعة الأشكال والأحجام، مصممة لوقاية مختلف أطراف الجسم، ويتم تجميعها بقطع من الزرد يختلف عرضها تبعا لدرجة الليونة المطلوبة، وهي تقنية إسلامية أساساً ظهرت على الأرجح في العراق أو في غرب فارس خلال القرن الرابع عشر الميلادي، قبل أن تنتشر وتصير نموذجا للواقية الإسلامية الأكثر ذيوعا بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر، سواء لدى المقاتلين أو بالنسبة للخيل. كانت الواقيات اللينة واسعة الانتشار خلال القرون الأولى للهجرة. ويبدو أنها ظلت كذلك حتى بدايات القرن الخامس عشر، حيث انحصرت بعد ذلك في المناطق الحارة جدا كالهند والسودان، ولم تكن الواقيات اللينة مجرد بديل أقل كلفة من الواقيات المعدنية، فقد امتازت إلى ذلك بخفتها وفعاليتها وسهولة صنعها، وكانت ملائمة تماما للتكتيكات العسكرية الإسلامية القائمة بكثافة على وحدات من الخيالة في غاية الحركية، ناهيك أنها كانت قابلة للجمع بينها وبين واقيات أخرى كالزرد، ومناسبة جدا للمناخ الحار لبعض البلدان الإسلامية.    ترصيعات وزخارف سطحية 
يختلف تاريخ الخوذات الإسلامية عن تاريخ الخوذات الأوربية. ويستفاد من المعلومات المتوفرة لدينا أن خوذات الفترة الأولى للإسلام كانت رقيقة، ويبدو أنها كانت استمرارا للأشكال الرومانية ـ البيزنطية والإيرانية، أي أنها كانت في معظم الحالات عبارة عن نصفي قلنسوة تجمعهما زينة الخوذة في الوسط. ويصعب المطابقة بين مختلف الألفاظ المستعملة في هذا المجال والأشكال المحددة. ويبدو أن هذه التسميات تبقى بالأحرى شاملة دون أن تكون قابلة تماما للمبادلة فيما بينها. كانت الخوذات المركبة والمستدقة الرأس، التي يعود أصلها إلى آسيا الوسطى، معروفة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية قبل ظهور الإسلام، وقيض لهذا النوع من الخوذات المكونة من قطع حديدية مثبتة إلى بعضها أو إلى شرائط حديدية داعمة أن تنتشر بعد ذلك في البلدان الإسلامية. وفي الوقت نفسه، سمح تقدم الصناعة المعدنية في العالم الإسلامي بين القرنين الثامن والحادي عشر بصنع خوذات من قطعة واحدة وبكميات كبيرة نسبيا، وذلك قبل ظهور هذا النوع من واقيات الرأس في أوروبا أو الإمبراطورية البيزنطية بوقت طويل. وكانت هذه الخوذة المتلاحمة تسمى إجمالا البيضة وكان اعتمارها يعني أيضا ثراء صاحبها ووجاهته. لذلك صارت الخوذات تزين بترصيعات وزخارف أخرى سطحية مما كان مستعملا في الفنون المعدنية الإسلامية. ولحماية الوجه والعنق، كان المقاتلون يرتدون واقيات زردية وأغطية رقبة صفيحية أو زردية. ونادرا ما نجد على الخوذات الإسلامية أغطية وجه أو مقدما متحركا من المعدن الصلب. غير أن هذه العناصر ظهرت في آسيا الوسطى وفارس بين القرنين الثاني عشر والخامس العاشر، وكذا في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال نفس الفترة، ولكن بشكل مختلف جدا، ولا شك في أن هذه الاستثناءات تعود إلى سياق عسكري خاص يتمثل في ضرورة حماية المقاتل من التهديد المتعاظم للفرسان ذوي الأقواس المركبة في الشرق، ومن القذافات اليدوية التي بدأت تنتشر في إيبيريا. أما في بقية المناطق من العالم الإسلامي فقد اعتبرت الواقيات اللينة للرأس والرقبة، المصنوعة من الصفائح أو الزرد، كافية، وكان المقاتلون عموما يطبقونها على وجوههم فلا تبقى سوى فتحتين ضيقتين للعينين.  تروس مصنوعة من جلود مختلف الحيوانات 
كانت التروس المستعملة من طرف المقاتلين المسلمين مصنوعة من الخشب، أو الجلد الصلب، أو السوحر، أو الحديد، وكانت معظمها مستديرة وصغيرة نسبيا حتى تلائم عتاد الخيالة الخفيف. لكن ثمة متغيرات عديدة في هذا المجال. فقد كان المشاة في الشرق الأوسط، مثلا، يحملون تروسا كبيرة معينة الشكل، وذلك بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، ونجد ضمن هذه الفئة الجنوية وهو ترس كبير مسطح القاعدة كان يغرز في الأرض. وكانت هناك تروس كبيرة أخرى، من القصب المفتول، تغرز في الأرض كذلك، وانتشر استعمالها على الأرجح في شبه الجزيرة العربية زمن الرسول، كما يبدو أنها ظلت تستخدم في العراق إلى غاية القرن الحادي عشر على الأقل. وكانت ثمة تروس كبيرة لينة، مصنوعة من جلود مختلف الحيوانات، درج استعمالها في الصحراء، وشمال إفريقيا، ومصر، وشبه الجزيرة الإيبيرية خلال العصر الوسيط. وتطورت لاحقا إلى ترس أصغر حجما هو الدرقة الموريسكية في أسبانيا والبرتغال، وهو على شكل كلية، واستعمل بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر. واشتقت كلمة Daraga الأسبانية من لفظة درقة العربية التي يقصد بها الترس الصغير المصنوع عموما من الجلد. وخلال الحقب التي سادت فيها الأساليب العسكرية الغربية، سيما في القرن الثالث عشر، كان المقاتلون المسلمون في الأندلس يستعملون التروس الأوروبية الشكل. ونجد فضلا عن ذلك الترس المعروف بالقلقن، المصنوع من الأسل المجدول والمثبت بخيوط قطنية أو حريرية، والذي كان يوفر للخيالة وقاية خفيفة وفعالة، كما أن الخيوط التي تحفظ الأسل وتثبته سمحت للصناع بإطلاق العنان لمختلف الابتكارات التزيينية على مستوى الألوان والأشكال الزخرفية. أما التروس الحديدية فاستعملت منذ القرن الثاني عشر على الأقل، وأقدم نموذج وصلنا من نوع مركب. 

 واقيات الأطراف
 تم استعمال واقيات صلبة أو نصف صلبة للأطراف في العديد من البلدان قبل انتشار هذا النوع من الواقيات في أوروبا الوسيطية. ولا ريب في أن استخدامها أملته أهمية المبارزة بين الفرسان المسلحين بالسيوف، غير أن واقيات المقاتلين المسلمين لم تبلغ أبدا ضخامة مثيلاتها في أوروبا في أواخر العصر الوسيط أو بدايات الحقبة الحديثة. وإذا كانت أقدم واقيات للذراع تعود بالتأكيد إلى القرن السابع وتستمر حتى القرن الرابع عشر، فإنها لم تنتشر أبدا على نطاق واسع. وكان شكلها مستمدا من التقاليد البيزنطية أو التركية الفارسية، فكانت في الحالة الأخيرة عبارة عن ساعدة مركبة تلبس على الساعد، مصنوعة على الأرجح من الحديد أو البرونز وربما أيضا من الجلد الصلب، فيما كان جزؤها الأعلى محميا بكم من الزرد أو بقطعة من الواقية الصفيحية مشدودة إلى الدرع الصفيحية. وقد انتشر نوع طويل من الدروع الصفيحية ذات كمين نصفيين في أعقاب الاجتياحات المغولية خلال القرن الثالث عشر، غير أننا لم نجد سوى نماذج قليلة منها في بعض المناطق الإيرانية. وفي النصف الثاني من القرن الثالث عشر أو بدايات القرن الرابع عشر، ظهرت ساعدة حديدية أنبوبية الشكل لوقاية الساعد، أطلق عليها الأتراك اسم "Qulluq" وكانت من أصل صيني ـ مغولي. وانتشر استعمالها في آسيا الوسطى، وفارس، وتركيا، ومصر المملوكية. وكانت بعض واقيات الساق، من نفس طراز واقيات الذراع، معروفة في بعض مناطق آسيا الوسطى شمال شرق نهر آموداريا منذ الحقبة السابقة للإسلام، لكن يبدو أنها أهملت بعد انتشار الإسلام. وتؤكد المصادر الإسلامية والبيزنطية في القرن الحادي عشر وجود واقيات للساق من الزرد قبيل ظهورها في أوروبا الغربية، وعادت إلى الظهور في حقبة لاحقة إلى جانب أنواع أخرى، مصنوعة خصوصا من الزرد والصفائح، وكانت هذه الساقيات تعرف بألفاظ عديدة منها الكلسات، والزرد، والرانات، وكانت وقفا على نخبة المقاتلين المدرعين في وحدات الخيالة الثقيلة.   واقيات الخيل  زعموا طويلا أن واقيات الخيل كانت نادرة، بل غير موجودة في بدايات الحقبة الإسلامية، استنادا إلى ندرة ظهورها في الأعمال الفنية قبل القرن الرابع عشر. غير أن المصادر المكتوبة تؤكد استعمال أشكال مختلفة من دروع الخيل. وكان النوع الأكثر شيوعا من مادة محشوة، وكان العرب يسمونه التجفاف. فيما يظل ذكر الدروع الخيلية التي من الفلوس أو الصفائح أو الزرد نادرا قبل أواخر القرن الثالث عشر. وفي معظم الحضارات، كانت واقيات الفرس، قبل كل شيء، وسيلة لحماية المطية من السهام وغيرها. غير أنها كانت أكثر نجاعة في صد الضربات البعيدة منها في وقاية الحيوان من الرميات القريبة، وكان هذا الأمر صحيحا في العالم الإسلامي، حيث كانت الدروع الخيلية الخفيفة، المصنوعة من مواد محشوة، ومن الجلد أو الصفائح أو الزرد، أو الزرد والصفائح معا، منتشرة نسبيا، فيما كانت الواقيات الحديدية مجهولة تقريبا حتى بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر. وكان صنع واقية الفرس مقتبسا على العموم من التقنيات المستخدمة في الواقيات الجسمانية للفارس، إلا أننا نلاحظ بعض التفاوت بين اعتماد أساليب جديدة بالنسبة للفارس وتلك الخاصة بمطيته. فكان يحدث مثلا أن يمتطي مقاتل مدرع بالزرد والصفائح فرسا لاتزال واقيته من الجلد الصلب. وكانوا يستعملون كذلك درع القصبة، وهي واقية تحمي رأس الفرس وقصبة أنفه. وكانت تسمى البرقع والكشك والسري، ويدل هذا التنوع اللفظي على أن درع القصبة كانت أكثر انتشارا مما يعتقد. ومن المرجح أن هذه القطعة كانت في البداية من الجلد الصلب قبل انتشار أنواع أخرى معدنية، بتزامن مع الواقيات الخيلية الصفيحية، خلال القرن الرابع عشر. إلا أننا نجد مع ذلك بعض الآثار الدالة على وجود دروع لرؤوس الخيل مصنوعة من المعدن الصلب في مصر والمناطق الإسلامية المجاورة منذ القرون السابقة، كما وصلتنا نماذج نادرة من واقيات لرؤوس الجمال تعود إلى الحقبة العثمانية، لكن الأمر كان يتعلق على الأرجح بقطع استعراضية. وبالمقابل نجد الكثير من واقيات الفيلة التي كانت تستخدم في القتال. وتطور هذا النوع من الواقيات في الهند الإسلامية خصوصا، ولو أن فيلة القتال ظلت تستعمل في مناطق شرقية أخرى في العالم الإسلامي، على غرار ما كان الأمر في الحقبة السابقة للإسلام. ولا نتوفر سوى على معلومات قليلة بخصوص الواقيات القديمة للفيلة في الإسلام. إلا أن بعض الشواهد الفنية التي تعود إلى القرنين الثاني عشر والثالث عشر تؤكد وجود تروس ضخمة مستديرة كانت مخصصة لوقاية آذان هذه الحيوانات.
الفرس في القرآن والحديث النبوي  اذا كان ذلك على المستوى العسكري من خلال العديد من المعروضات التي تؤرخ لحقب معينة فان للجانب الديني الروحي حضور في المعرض، حيث يتضح أن العديد من الباحثين تطرقوا إلى الموضوع ومن أبرز هم نذكر "فاروق مردم باي "، ومن هذا المنطلق يتاكد أن العديد من الآيات القرآنية تشهد على الأهمية البالغة التي أولاها الإسلام في بداياته للفرس، وخصوصا الفرس الذي تخاض به المعارك. وأشد هذه الآيات وضوحا تلك التي يقسم فيها الله عز و جل بالخيل كأعجوبة من أعاجيب الخلق ويشهدها على جحود الإنسان:"باسم الله الرحمن الرحيم، و العاديات ضبحا.فالموريات قدحا. فالمغيرات صبحا. فأثرن به نقعا. فوسطن به جمعا. إن الإنسان لربه لكنود." (سورة العاديات، الآيات 1إلى6). وفي سورة أخرى يحض القرآن المؤمنين على إعداد ما يستطيعون "من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله"(سورة الأنفال، الآية 60). غير أن الفرس مذكور أيضا كمطية و زينة:" والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" (سورة النحل الآية ، وباعتباره من متاع الحياة الدنيا: "زين للناس حب الشهوات من النساء (...) والخيل المسومة والأنعام والحرث" (سورة آل عمران، الآية 14"، كما أن "الصافنات الجياد" المعروضة على سليمان (سورة ص، الآيات 30 إلى32) تسمى "الخير" بدل الخيل. وهذا التقريب بين الكلمتين اللتين تحولتا من الجناس إلى الترادف يرد لاحقا في حديث نبوي شهير يقول:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة". وتزخر كتب الحديث بالأقوال المتعلقة بالفرس، حتى أن بعض علماء السنة كالنسائي خصصوا لها بابا كاملا. على أنه يمكن تصنيفها إلى فئتين. وتشمل الفئة الأولى النصوص التي تبرز حب النبي للخيل. ويؤكد أحد صحابته بهذا الصدد أنه لم يكن شيء أحب إلى رسول الله بعد النساء من الخيل، ويوضح صحابي آخر أن الرسول كان يفضل الكميت والأشقر والأدهم، وأن يكون الفرس أغر(في جبهته بياض) وذا شعرات بيض في قائمتيه أو قوائمه الأربع. وكان يمتلك خمسة أفراس، وترفع بعض الأحاديث هذا العدد إلى تسعة وحتى إلى تسعة عشر، وكان يتعهدها بنفسه ويحسن رعايتها، ويحض المسلمين على الإقتداء به. هكذا حرم إخصاء الخيل، وحلق عرفها وناصيتها، وقطع ذيلها، ونزاء الأفراس الإناث والحمير كما ينسب إليه أنه نهى عن أكل لحم الخيل أو على الأقل نصح بالعدول عن ذلك. وتعتبر الأحاديث التي تحث المؤمنين على تربية الخيل وإعدادها للقتال مهمة جدا من الناحية التاريخية. فخلال معركة بدر في العام الثاني للهجرة، اقتصر عدد الخيل التي كانت في حوزة النبي على ثلاثة، ثم على اثنين في معركة أحد التي وقعت في العام الموالي. وما لبث أن تحول الفرسان المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين إلى قوة ضاربة في الحروب ضد بيزنطة والساسانيين. وإذا كانت هذه الطفرة العددية تعود في جانب منها إلى انضمام قبائل البدو للجيش الإسلامي، خصوصا بعد فتح مكة، فإنها ناتجة أيضا عن السياسة التي انتهجها النبي نفسه والمتمثلة، من جهة، في إدراج حمى القبائل البدوية (أي أراضيها ومراعيها) ضمن المناطق الحرام (أي المجال العمومي)، ومن جهة أخرى في تحفيزمربي الخيول معنويا وماديا. وفي هذا الصدد، غالبا ما يتم الاستشهاد بهذا الحديث الوارد بروايات مختلفة: "من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ويعفى هذا الشخص من أداء الضريبة المفروضة على الأنعام، بل إنه يستفيد من ثلاث حصص من غنيمة الحرب، إحداها له وإثنتان لفرسه، بينما لا يعطي المقاتل الراجل سوى حصة واحدة. بموازاة ذلك، يبدو أن النبي خفف قليلا تحريم الرهان على الخيل، الذي يعد عموما من أشكال الميسر، وذلك تشجيعا لاصطفاء الجياد الكريمة. ويروى أنه كان ينظم بعض السباقات ويشارك فيها مراعيا قواعد صارمة فيما يتعلق بالمسافة، وعدد الخيل وخصائصها، والمكافأة المخصصة للفائز. كما تنسب إليه بعض الأحاديث حول "تضمير الخيل" وهي طريقة في تربيتها تجعلها أكثر خفة ونشاطا. ولهذه الغاية، كان ينصح مربي الخيل بتغذيتها تغذية صحية (قوامها الكلأ بكميات صغيرة) وسقيها ماء نظيفا حتى ترتوي، وترويضها مرة أو مرتين في اليوم. وغني عن البيان أن هذه التدابير كانت تخص الفرس العراب المميز عن البرذون والهجين. وفي حديث رواه النسائي"ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر بدعوتين:  "اللهم خولتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه" وهاتان الأمنيتان مستجابتان دوما".

خلاصة

إلى هنا يمكن اعتبار الفروسية اللون الاحتفالي الذي يرتبط في الذاكرة المغربية بإحياء التراث والتقاليد، ذلك أن طقوس الفروسية بشكل عام والفرسان أو الخيالة بشكل خاص تحمل العديد من الدلالات والرموز، من جمالية اللباس، وسروج الخيول، والمواويل المصاحبة والأدعية، ومآدب اللقاءات وتلاوة القرآن حين تجتمع أعضاء القبيلة في منتصف النهار أو في الليل.
وتبقى الفروسية رمزا حضاريا وتراثيا يميز الذاكرة الثقافية المغربية عن الذاكرة الإفريقية بشكل عام والذاكرة الشعبية والحضارية بشمال أفريقيا، حيث ترتبط في العمق بحب الحصان كحيوان أليف لنخوته وزهوه العربي، وبالأرض المعطاء، وبالخير، وبالماضي التليد، حيث شارك الحصان إلى جانب الإنسان في حروب كثيرة من أجل تحرير الأرض من الأعداء الغاشمين.
كانت تيمة الخيل والفرسان، وآداب الفروسية، وتمظهرات ذلك في البحث والشعر والصناعات اليدوية والرياضة والترويض والاستعراض وفنون الحرب والمخطوطات والرسومات، والتربية والتهجين أحد الوجوه البارزة في الثقافة المغربية منذ قرون.
كما أن الولع بالخيل شكل على مدى الأزمان ظاهرة حيوية في حياة ملوك وسلاطين المغرب في قصورهم، وجيوشهم ومناسباتهم الرسمية، واعتبر علامة ثقافية شعبية في حياة القبائل المغربية في السهول والجبال...ولعل ما أبرز مغامرة لخيل المغرب هي هجرتها إلى الأندلس ولأوربا وأمريكا اللاتينية، والتي ما تزال موضوع أبحاث مثيرة في الكثير من الجامعات.
إن المغرب في هذا الباب ـ يعلق محمد الأشعري وزير الثقافة ـ استطاع الحفاظ على تقاليد الفروسية وتربية الخيل ليس فقط من خلال التقاليد الملكية العريقة، والتي ما فتئت تتطور حتى الآن، ولكن أيضا من خلال الحضور القوي للتقاليد في التعبيرات الفنية الشعبية عبر المواسم والأفراح والتراث الشفوي.
وفي هذا المجال فان استحضار المشترك العربي من خلال الموضوع يعد نوعا من التكريم الحقيقي لتقاليد ارتبطت بالحكم والحرب والصيد والسفر والزينة، كما ارتبطت بجموح الجسد والكلمة، وتكريم يستعيد إحدى جماليات العربية الأكثر استمرارا وحضورا حتى اليوم، متنقلة بين الحكاية والشعر والغناء والرسم والنحت.
إلى هنا الموضوع استنادا الى ترجمة محمد الشركي والعديد من الباحثين يسعى إلى إضاءة العلاقة المتعددة الأبعاد، والموغلة في القدم، التي جمعت الإنسان المغربي والعربي والفرس، وتمظهرات هذه العلاقة في التاريخ الاجتماعي والثقافي والديني والعسكري، ذلك أن الفرس كمطية حاضرة في التاريخ العربي الإسلامي، سواء في لحظات السلم كزينة أو في لحظات الحرب، كقوة حاسمة في مصير المعارك ورسم خريطة الفتوحات، وسلاح" رادع لظبط الأمن في المدائن والأمصار... ودابة للسباق والألعاب ووسيلة نقل البريد.
إن التحف الناذرة المتعلقة بالفرس، " قطع الإسراج، عدة مختلفة الممارسات الفروسية، رسوم في الصخر أو المعدن أو الورق...لتشهد على رفعة الفرس والمكانة التي حظي بها وعلى ما بلغه تعلق الفارس العربي به من بعد روحاني.
خلاصة القول يمكن اعتبار"خيل وفرسان " صورة مشخصة عن الفرس في التاريخ المغربي والعربي، وعلاقته بالإنسان في أوقات السلم والحرب، ليبقى الفرس بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيوانا أصيلا لعب دورا أساسيا في حياة الإنسان، انه مبعث أفراح المغاربة الجماعية في أعياد ومناسبات عدة من خلال أشهر لعبة لحد الآن، هي "الفانتازيا" أو الفروسية أو "التبوريدة"، حيث يجتمع الفرسان يتوسطهم قائد محنك، يصطفون، عند نقطة الانطلاقة، يركدون الى الأمام في صورة لا تخلو من تنافس شريف في التفنن في الركوب بأزياء تقليدية زاهية، يركدون، يتبوردون، وعند خط النهاية يطلقون بارود النصر الى الأعلى كشكل من أشكال الفرح والاحتفال الشعبي، يؤرخ لعادات وتقاليد متجدرة في أعماق التراث المغربي والعربي الأصيلين.

 

254396 visiteurs
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=
C est grace au jeunnes que l elvage des chevauux de race arabe-barbe a repris dans la ville de missour